B A H R A

  
We deserve and we must have a home to call our own!
 



كنيستـي   إلـى  أيـن ؟

رسـالـة شـامـلـة
إلى جميـع أبنـاء كنيستـي
في العـراق وفي المهجــر.
صرخــة استنجــاد
لمعالجة شؤون الكنيسة الكلدانيـة.
أمنيتـي الوحيــدة :
ان ارى كنيستي في حالة فضلى،
بهمـة أبنائها المخلصيــن.
الرّب قادر على كـل شـيء،
وصلاة الإيمان تنتزع منه العظائم
فرحماك يا رب، وعطفك وحنانك.

 

)    الأب ألبيـر أبـونــا (

بغداد،  تمـوز 2008 

قبل
سنتين – أي سنة 2006 - صدرَ في لبنان كتاب بعنوان " كنيستي، أين أنتِ، من هويتك وعلاقاتك ؟ "، كتبَه الأب جوزف هلّيـط، وهو مؤسس دير القيامة في فاريـا (لبنان)، ومن الأشخاص البارزين بروحانيتهم وبغيرتهم على الكنيسة.
ويحتوي الكتاب على تحاليل رائعة تتناول حالة الكنيسة في لبنان، وعلى انتقادات لاذعة أيضًا للانحرافات المؤسفة التي طرأت على بعض أوجُـه من هذه الكنيسة. وجاء هذا الكتاب بمثابة صرخة مدوّيـة موجَّهـة إلى المسؤولين عن هذه الكنيسة، وهي تدعوهم لإلقاء نظرة واقعية ونزيهة وشجاعة على الكنيسة وشؤونها في هذا العصر، وإلى وضع الأصبع على الجروح فيها ومحاولة معالجتها، لكي يتسنّى لهذه الكنيسة ان تواصل رسالتها في عالم اليوم بكل واقعية وجرأة.
قرأتُ الكتاب بانتباه وإمعـان، وأؤيّـد المؤلف على معظم ما جاء فيه. وحملتني هذه القراءة على التفكير العميق ثم إلى التساؤل بجـد : وكنيستي في العراق ؟ إلى أين هي سائـرة ؟


المقـدّمــة

عزمتُ اليوم على التكلم عن الكنيسـة أمي. وما أحلـى الكـلام عن الأم، لا سيّما إذا تفجّر من قلب محِبّ ومخلص. فليس ثمة ابن بار يريد التحدّث بالسوء عن أمـه.
أحبُّ الكنيسة أمـي. فيها وُلدتُ، وقد احتضنتني بالعماد وضمّتني إلى المسيح، وأشرفت على تربيتي في حداثتي، ثم واكبتني في طريقي إلى الكهنوت، ثم في حياتي الكهنوتية ورسالتي. وأنا أيضًا حاولتُ ان اكون لها ابنـًا وفيًا، وبذلتُ جهدي، طوال حياتي، وحيثما تواجدتُ، لكي اخدمها بإخلاص، وذلك بالقول والعمل، ولا سيّما عن طريق الكتابة التي اعتبرها رسالتي الخاصة في الكنيسة.

الكنيسة أمـي ! وأكـنُّ لها كل الحب والإحترام والتقدير، مع التعاون البنّـاء. ولا أحد يرضى بالتكلم بالسوء عن أمـه. وكم كنت اتمنى ان تكون الكنيسة أمي كما ارادها المسيح : واعية برسالتها، وعلى مستوى مسؤولياتها. ولكـن....
في الواقع، تحتاج كنيستي إلى نفض الغبار والأتربة التي تراكمت على حياتها وتقاليدها وطقوسها، لكي تظهر من جديد على حقيقتها الناصعة، المنزَّهـة من الطفيليات التي التصقت بها خلال الأجيال، والتي حاولت ان تلوّث دماءَها، وان تشوّه بهاءَهـا.

انا لستُ مصلحًا للكنيسة. إنما يؤلمني ان اراها على الحالة التي هي فيها الآن. وأرى انه لا يحق لي ان ارتاح لهذا الواقع المؤلم. لذا قررت ان أطلق هذه الصرخة المدوّية لأدعو فيها المؤمنين جميعًا إلى الإلتفات إلى هذا الوضع ومحاولة معالجته، بل ادعو الجميع إلى انتفاضة سلمية على التخلّف الروحي المستشري في كنيسة العراق. فان السكوت جريمة تقع مسؤوليتها على كل عضو من هذه الكنيسة، رؤساء كانوا أم مرؤوسين. على جميعنا ان نسعى في إعادة بناء كنيستنا على أسس الإيمان والرجاء والمحبة، وعلى دعائم التواضع والخدمة والتجرد والتضحية، على مثال الكنيسة الأولى في عهد الرسل.

وكانت لي قراءة كتاب الأب الصديق جوزف هلّيـط " كنيستي اين انتِ ؟ " بمثابة مهمار أثار فيَّ الألم واستنهض فيَّ الغيرة والشجاعة، وحثّني على عدم الإخلاد إلى الصمت الجبان. لذا فانا احاول تسليط الأضواء على كنيستي، ولست أهدف بذلك إلى كيل الانتقاد اللاذع والهدّام للكنيسة أو لأي من المسؤولين أو المؤمنين فيها. إنما ارمي إلى تشخيص بعض الأمراض فيها، لعلّي بذلك أسهم في مساعدة كنيستي للنهوض من كبوتها، وإلى حثّها على القيام بحركة إصلاح شاملة تطال جميع الشرائح فيها. فكنيستي بحاجة إلى تجديد وإلى نهضـة وإلى إصلاح جذري، وهي بحاجة إلى نفحة جديدة من الروح تهبُّ عليها وتمـلأ أشرعتها وتوليها الطاقة لانطلاقة جديدة نحو الأعالي.

وهنا أودُّ ان أطرح على نفسي وعلى جميع الذين يقرأون هذه الخواطـر ثلاثـة أسئلـة
حول هذه الكنيسـة :
 - 1
مـن هـي  كنيستـي ؟
 - 2ما هو وضعهـا اليـوم ؟
 3
إلـى أيـن هـي سائـرة ؟

ا- مـن هـي كنيستـي ؟
ليست كنيستي مؤسسة بشرية تستمدُّ جذورَهـا من عبقرية بشرية، ولا هي جمعية فيها تتضارب المصالح وتتنافس المطامع في سبيل السلطة والاستغلال. كـلا ! بل كنيستي مؤسسة إلهيـة أرسى الرّب يسوع قواعدها وحدّدَ أهدافَها، وفتحَ أمامها آفاقًا واسعة سعة العالم كله : " اذهبوا إلى العالم كله، وأعلنوا البشارة إلى الخلق أجمعين " (مرقس 16/15(

فالمسيح هو الذي أسس الكنيسة، على صخرة إيمان بطرس وإيمان الرسل. ولكنه يبقى هو الصخرة الحقيقية التي عليها تُبنى الكنيسة. لذا فان أبواب الجحيم لن تقوى عليها، مهما حاولت الإطـاحة بها. فان الكنيسة تستمدُّ من المسيح كيانها وحيويتها في كل الأجيال، منذ نشأتها حتى انتهاء الأزمنة.

كنيستي تلقت كيانها واصولها من الكلمة الذي جاء إلى العالم لينقل إليه محبة الآب ويكشف له عن مدى هذه المحبة وشموليتها وفاعليتها، وعن مقتضياتها الهائلة أيضًا. واراد ان تكون الكنيسة تجسُّدَ هذه المحبة وصوت المسيح المدوّي في العالم.
إلاَّ ان الكنيسة التي أسسها المسيح تتّسم ببُعـدَين : البُعد العمودي، أي انها تستمد كيانها وجذورها من الله، والبُعد الأفقـي، أي ان هذه الكنيسة مكوَّنـة من بشريين مدعوين إلى القداسة، ولكنهم في الواقع ليسوا كلهم قديسين، وهم يفتقرون دومًا إلى الاحتكاك بالمسيح للحصول على هذه القداسة. أجل، انها كنيسة الخطأة المفتدَين والمدعوين إلى القداسة التي ستتحقق فيهم بقدر ارتباطهم الوثيق بالمسيح.
ويتـمُّ الانتماء إلى كنيستي عن طريق العماد والإيمان بالمسيح، وليس عن طريق اعتبارات اخرى، عرقية كانت أو طائفية أو حزبية أو سياسية. ان كنيستي مفتوحة للجميع وتقبل الجميع، لكي تقود الجميع إلى الخلاص والحياة والسعادة.
ولكنيستي اربع علامات أو صفات واضحة، انهـاواحـدة ، جامعـة، مقدسـة، رسوليــة

وهذا ما يعلنه جميع المسيحيين كل يوم في قانون الإيمان : " نؤمن بإلـه واحـد . . .

-   1كنيستـي واحـدة
هكذا
ارادها المسيح، وهكذا أنشأها، وهكذا يريدها حتى النهاية : " انت الصخرة، وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي "، ولم يقل المسيح " كنائسي ".

ولدى قراءتنـا الفصل السابع عشر من انجيل القديس يوحنا، نتأكد من رغبة المسيح الملِحّـة في ان تكون كنيسته " واحدة "، على مثال الوحدة القائمة بين اقانيم الثالوث الأقدس : " ليكونوا واحدًا ، كما نحن واحد ... ليكونوا بأجمعهم واحدًا ..." (يوحنا 17/7،21...). بل قدّمَ المسيح وحدةَ كنيسته علامة أكيدة على مصداقية رسالته : " ليؤمن العالم بأنك انت ارسلتني " (يوحنا 17/21). وقد شبَّـهَ القديس بولس وحدة المسيح مع كنيسته بوحدة الرأس مع الجسد، وأشار إلى ان الكنيسة هي جسد المسيح السري الواحـد.

ولكن إلاَّ تشعر كنيستي بخطيئة الانقسام ؟ أهي كنيسة واحدة أو كنائس متعددة وطوائف متنافسة ؟ وإلى متى ستظل على هذه الحال، رغم إرادة المسيح الصريحة في ان تكون واحدة  ؟ ألا يمكن حقًا وضع حـدّ لهذه المعثرة ؟
ولكـن أين هذه الوحـدة ؟ فما إن اختفى المسيح عن الانظار بالصعود، حتى شرعت اختلافات بل خلافات تظهر بين الرسل انفسهم. وإذا استطاعوا التغلّبَ عليها، فان الصعوبات والمشاكل اعترضت سبيل كنيسة المسيح في الأجيال اللاحقة، حتى اضطرّت إلى عقد مجمع نيقية (سنة 325)، ثم مجمع القسطنطينية (سنة 381) لوضع حدّ لبعض الافكار المضِلّة عن الثالوث وعن المسيح. وكان القرن الخامس حقلاً خصبًا فيه نمت وانتشرت افكار فلسفية وآراء لاهوتية أدّت إلى جدالات حامية في الكنيسة، وتمحورت حول شخص المسيح وطبيعتيه الالهية والإنسانية، وتمخضت عن مواقف لا تمتُّ إلى روح المسيح بصلـة. فقد أذكت الاحقاد والاحساد بين مختلف فئات المسيحيين افضت إلى انشقاقات مؤسفة وإلى انفصالات وتباعد، ما نزال تعاني منها حتى اليوم.
وإذا كانت الدوافع الظاهرة التي أدت إلى هذه الانشقاقات هي كريستولوجية، إذ راحت كل فئـة تتمسك بأفكارها اللاهوتية وتأبى التنازل عنها، فإن الدوافع الحقيقية الكامنة تحت هذه الذرائع كانت اعتبارات بشرية تتلخص بالكبرياء وحب المناصب والكراسي الكبرى في المسيحية والهيمنة الفكرية والكنسية، رافقها الكثير من روح العداء والانتقام بين مختلف الفئات والمدارس المسيحية. وكانت نتيجة ذلك ان انقسمت كنيسة المسيح الواحدة إلى كنائس متعددة ومختلفة في عقائدها وتقاليدها وليتورجياتها : جذع واحد أدى إلى فروع عديد ومختلفة، كل منها يدّعـي بأنه الأصل، وبأنه يمتلك الحقيقة الكاملة. اما الآخرون فعلى ضلال مبيـن !.
واستمرت هذه الحالة المؤسفة إلى الآن. فما يزال كل فريق متمسكًا بموقفه بتزمّت شديد - ولو ان وطأته قد خفت الآن قليلاً - ويأبى الانفتاج لتلقّي محبة المسيح التي توحّد ولا تفرّق.

والمضحك المبكي، ان كل سنة يُخصَّص في الكنائس المسيحية اسـبوع كامل - من 18 إلى 25 كانون الثاني - للصلاة من أجل وحدة المسيحيين، بدون ان يتنازل أيٌّ من المسؤولين – البطاركة والاساقفة - عن شيء في سبيل تحقيق هذه الوحـدة, انه اسبوع الضحك على الذقون وذرَ الرماد في العيون ! فنحن نصلي من أجل الوحدة، ولكننا لا نحرك ساكنًا في سبيل تحقيق هذه الوحدة في واقعنا اليوم ! لقد تمت في هذه السنوات الأخيرة – والحق يُقال – مبادرات كثيرة ورائعة تشير إلى حسن النية عند مختلف الفئات من المسيحيين. ولكن متى ستتحقق الخطوة الكبيرة الحاسمة ؟ لقد سئمنا وملّت شعوبنا المسيحية من هذا التماطل في شؤون ما كان ينبغي ان تعطل الوحدة. وإلى متى يبقى البعير على التل ؟ وأين الجرأة المسيحية التي تقول للمسؤولين : كفى الانتظار ايها السادة الكرام !.

وما لي اتكلم عن الوحدة بين مختلف الكنائس، في حين ان هذه الوحدة مفقودة حتى في حضن كنيسة واحدة. فان الحرية – وربما الانفلات – لدى بعض الكهنة أدت إلى الإعلان عن أمور أو تعاليم ليست متناغمة مع الحقيقة المسيحية الصافية. اما الطقوس والرتب الكنسية، فكل كنيسة محلية تتصرف تجاهها كما تشاء، بحسب مزاج كاهن الرعية. أما المسؤولون الكبار فمنشغلون بشؤونهم الخاصة، وكأن هذه الأمور لا تعنيهم من قريب ولا من بعيد. ولا أدري ماذا يمنع الرعاة الكنسيين من ان يتّحـدوا فيما بينهم ويضعوا حدًا لهذا التبعثر الذي يخلق الفوضى والارتباك حتى بين المؤمنين. فإذا ذهبتُ إلى مدينة أو قرية، وأردت إقامة القداس – وهذا امرٌ شرعي وواجب – أُضطرُّ إلى ان أسأل كاهن الرعية عن طريقة إقامة القداس في كنيسته، لئلا أخالف التقاليد التي خلقوها على هواهم. فهل هذه هي الوحدة المسيحية !!! ومن المسؤول عن هذه الفوضى ؟ الا يمكن ضبط الأمور وتنظيمها ؟

 - 2كنيستـي جـامعـة
ولفظة " جامعة " تعني هنا شاملة، أي انها مفتوحة للبشر أجمعين، وفي وسع جميع الناس في العالم ان ينتموا اليها وينضمّوا إلى وحدتها. فهي ليست وقفًا على شعب أو قوم أو جنس أو لون أو منطقة أو لغة. كل إنسان، اينما كان، مدعو ليكون عضوًا في كنيسة المسيح. وعلى هذه الكنيسة ان تتجذّر حيثما انتشرت، وان تمارس رسالتها حيثما تأصلت، على ان تكون عينها وقلبها مفتوحين لضم العالم كله، وان تشعر بمسؤوليتها عن العالم كله أمام الله.

ولكني اقول بأسف إني ألاحظ في كنيستي الميل إلى الانغلاق والتقوقـع، مع شيء من الاكتفاء بالذات وبعدم الانتباه إلى الآخرين أو الشعور بوجودهم وباحتياجاتهم. تبدو لي كنيستي انعزالية أو فردانية، وربما مع بعض التعالي على الكنائس الأخرى، لكونها الاكثر عددًا ! وكأني بها تعيش في برجها العاجي، بدون الاهتمام بشعب الله المنتشر حواليها، ولا بالقطيع الصغير الذي عُهدَ إلى رعايتها. اما القطعان الأخرى، فلتفترسها الذئاب !.

إلا يهتم الراعي الصالح – لا الأجير - بأن يجمع قطيعه كل يوم ويتحقق من سلامته ويوفر له الموضع الأمين الذي يقيه شر الذئاب الشرسة. ألا تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، لكي توفر لها الدفء والحماية، لا سيّما حينما تلاحظ شرًا مستطيرًا. وما ان يزول الخطر، حتى توجّـه الفراخ إلى الخارج وتدرّبها على الاكتفاء بذاتها...

أفلا تحتاج كنيستي إلى رعاية يقظة وفعّالة، فيها ينسى المسؤول مصالحه الشخصية وراحته في سبيل خير المؤمنين الذين كثيرًا ما ينتابهم الشعور بالمرارة لكونهم متروكين ومهمَلين وليس من يفكر فيهم أو يهتم بشؤونهم. فان جامعية الكنيسة تقتضي منها دينامية تدفعها إلى الانفتاح على الغير والانتباه إلى احتياجاتهم، بغضّ النظر عن انتماءاتهم القومية أو العرقية أو حتى الدينية. فذراعا كنيستي يجب ان تكونا مفتوحتين لضمّ الجميع، مثل ذراعَي المسيح على الصليب. وليس من السهل على كنيستي ان تعيش جامعيتهـا التي تقتضي منها الانتباه المستمر إلى الآخـر بغيرة واندفاع : " ان غيرة بيتـك أكلتني " (يوحنا 2/17 a#sys_yolacredit_a1:hover {text-decoration: underline!important; font-weight:normal!important} a#sys_yolacredit_a2:hover {text-decoration: underline!important; font-weight:normal!important} a#sys_yolacredit_a1 {text-decoration: none!important; font-weight:normal!important} a#sys_yolacredit_a2 {text-decoration: none!important; font-weight:normal!important} #sys_yolacredit_left {background:url(classes/commons/yola_footer/png/yolaTag.png) top left no-repeat;} #sys_yolacredit_center {background:url(classes/commons/yola_footer/png/yolaTag.png) -10px top no-repeat;} #sys_yolacredit_right {background:url(classes/commons/yola_footer/png/yolaTag.png) top right no-repeat;}

Make a Free Website with Yola.